الدكتور إبراهيم النعيمي، مدير المركز: ندوة دولية عن "الأزمة والحصار".. وطاولة مستديرة حول دور الجاليات خلال الأزمة
2017-08-15
لا بدّ من جلوس كافة الأطراف للحوار دون تعنّت الطرف الآخر أو فرض شروط مسبقة
قطر تعرضت لظلم شديد من أقرب الناس إلينا
الإرادة السياسية غائبة لدى دول الحصار للأسف
الجزيرة لم تتعرض لدول الحصار الخليجية قبل الأزمة
مأساة ان تتوافق مطالب إسرائيل مع دول الحصار ضد الجزيرة
شخصيات دولية كثيرة ستزور قطر قريباً لإبداء دعمها ضد الحصار الجائر
الحوار لا بدّ أن ينتهي بإقرار دستور جديد بين دول التعاون لتفادي أزمات مماثلة مستقبلاً

كيف تفاعلتم في مركز الدوحة الأديان مع تطورات أزمة الحصار ضد قطر؟
الأزمة كانت مفاجئة لنا، كباقي الشعب القطري، خاصة وأنها تزامنت مع شهر رمضان. وكلنا تأثرنا تأثراً شديداً ليس بسبب قطع العلاقات الدبلوماسية فحسب، بل بسبب تداعيات الأزمة التي تسبّبت في قطع العلاقات بين الشعوب الخليجية وتشتيث عائلات وأسر متصاهرة.
وبطبيعة الحال، فإن الأسباب المعلنة للأزمة مفبركة وفاقدة لأية مصداقية. ونحن في مركز الدوحة لحوار الأديان، باعتبارنا ندعو دوماً للحوار والعيش المشترك ، تعودنا لسنوات طويلة على العمل المشترك مع مراكز حوار في دول الحصار، وتفاجئنا فعلا من اندلاع الأزمة، سيّما وأننا كنا نعمل معا لعلاج أزمات ومشاكل في دول أخرى، ولم نتوقع أن نجد أنفسنا يوما في أزمة مماثلة. وإلى يومنا، هناك كثيرون لم يستوعبوا ما حدث، وما يحدث. ونحن في المركز مستمرون في الدعوة للحوار.

كيف كان تفاعل مراكز الحوار في الدول المجاورة المحاصرة للدوحة؟
بصراحة لم نحاول التواصل مع تلك المراكز، لأننا في قطر، المتضررون من الأزمة، لكننا مصرون أن لا سبيل لحل الأزمة إلا بالحوار.
نحن لا نريد أن نزايد على مراكز أخرى وموقفها من الأزمة، وما يهمّنا أن نصل إلى تصور مشترك لحل الأزمة. لكني على يقين تماما أن هناك أناس كثيرين من القائمين على مراكز الحوار في دول الحصار غير راضين تماماً على ما حدث، وما يحدث، ويؤمنون أن الضرر سيقع على دول الحصار، أكثر مما يقع على قطر.

هل شروط الحوار متوفرة؟
بالطبع، ولا ينبغي أن نقصي أي فرصة للحوار، إن أردنا تفادي أزمة أكبر، مع كل الأضرار التي لحقت بالمجتمع الخليجي، وليس بدولة قطر فقط، وكلما طال عمر الأزمة، كلما تضاعفت الأضرار. ولا بدّ من وضع أسس مستقبلية لتفادي تكرار الأزمة مستقبلاً.
وأنا أفضل تسميتها مبادئ الحوار أو أصوله، والأصول تعني القواعد التي تضبط الأشياء، وأصول الحوار يقصد بها القواعد التي تضبط الحوار قبل البدء فيه وأثنائه وأيضا بعد انتهائه.
وبرأيي فإن أهم أصول الحوار هما أصلان: الأول: العلم، والثاني: ابتغاء الوصول للحق بغير خصومة أو تعصب أو هوى. فلا ينبغي لأي أحد أن يتكلم في شيء لا يعلمه، فكيف لو حاور غيره فيه.

ما فرص نجاح الحوار في ظل إصرار دول الحصار على فرض شروط صارمة غير قابلة للتفاوض؟
الحوار يظلّ ممكنا. وكما كانت دول الخليج تتواصل قبل الأزمة، فمن غير المنطقي القول اليوم، إنه ليس هناك إمكانية للحوار. وبالمقابل، لا بدّ من الاتصاف بالموضوعية. والحوار لا بدّ أن ينتهي بإقرار دستور جديد بين دول مجلس التعاون الخليجي لتفادي حدوث أزمات مماثلة مستقبلاً، لأن ما حدث غير مقبول تماما. ودولة قطر تعرضت لظلم شديد من أقرب الناس إلينا. سيّما وأن شعوب الخليج كانت دوماً توّاقة للسلم والتعايش على مرّ التاريخ. ومتى وجدت الإرادة السياسية الصافية من دول الحصار، يمكن حلّ الأزمة خلال أيام، مهما طالت الأزمة وتعقدت.
كيف وجدتم مواقف مراكز الحوار العالمية والشخصيات من الأزمة، وهل تلقيتم تأييداً لدولة قطر ضد الحصار المفروض عليها؟
كل الشخصيات ومراكز الحوار التي تواصلت معنا متعاطفة مع قطر في هذه الأزمة دون استثناء. وأشادوا صراحة بالموقف القطري، وتعامل دولتنا مع الأزمة الراهنة. وأكدوا أنه كان تعاملاً نموذجيا من القيادة إلى الشعب.
لقد تلقينا العديد من الاتصالات والرسائل الإلكترونية من منظمات دولية كثيرة، ومراكز مختصة من جامعة أكسفورد، وجامعة يال، وجامعة هارفارد، وحتى من من أعضاء مجلس الشيوخ بالولايات المتحدة الأميركية، والكثير من الشخصيات الدولية التي سبق لها زيارة قطر، والتواصل مع مركز حوار الأديان؛ وكلهم أبدوا اهتماما كبيرا بتداعيات الأزمة، وأعلنوا دعمهم المطلق لقطر ضد الحصار الجائر المفروض عليها. ولمسنا لديهم رغبة في دعم الحوار لحل الأزمة. ونحن قلنا لهم إن الحوار بالنسبة لدولة قطر أمر جوهري في كينونة الدولة.

المركز يولي اهتماما بالغا للتواصل مع المواطنين والمقيمين من مختلف الجنسيات، ما هي رسالتكم لهم للتعامل مع الأزمة؟
رسالتنا واضحة؛ أن يتجاوبوا إيجابيا مع ما يحدث من حولهم، ويستوعبوا الأزمة دون أن تؤثر عليهم، ويكونوا مواطنين إيجابيين، ويركزوا على تطوير العمل وزيادة الإنتاج. ولا ننسى أن حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى أشاد بتفاعل المواطنين والمقيمين على حد سواء مع الأزمة. ودولة قطر لم تقمع حرية التعبير والرأي، بل سمحت للكل بالتفاعل مع الأزمة، ولم تفرض عقوبات على من يتعاطف أو يبدي رأيه.

ما الخطوات والحلول التي تقترحونها للتعامل مع الأزمة؟
نحن في صدد التحضير لندوة نوعية، بعنوان "الحوار والحصار" خلال شهر سبتمبر المقبل بحول الله، نؤكد من خلالها قناعة المركز بضرورة الانتصار للحوار دوما، وأنه على المجتمعات الخليجية أن تدعم الحوار، ولا تنجرف خلف الإعلام المضلل. وستغطي الندوة أهمية الحوار بين الأديان، وأهمية الحوار في الإسلام لحل الأزمات. ونستضيف مختصين وقانونيين من جامعة قطر واتحاد العلماء المسلمين والشخصيات السياسية والكفاءات القطرية الفاعلة في المجتمع القطري.
كما أننا بصدد تحضير الطاولة المستديرة للجاليات، تتناول دورها خلال الأزمة، بحضور كافة الجاليات الموجودة في قطر. فلا بدّ أن نوثق دور الجاليات في دراسات، وننقلها للأجيال القادمة، ضمن الدروس التي ينبغي أن نستوعبها من الأزمة. ولو تمّ حلّها.

كيف تقرؤون الدعوات المطالبة بإغلاق قنوات شبكة الجزيرة من دول الحصار، بحجة تحريضها على العنف؟
بداية، لا بدّ من التنويه أن الجزيرة لم تكن تتعرض لدول الحصار قبل هذه الأزمة، باستثناء مصر جراء ما تعرضت له. فإن كان هذا المطلب بهدف حماية نظام قاد ثورة مضادة، فهذا لا يليق بسياسات الدول الخليجية الثلاث صراحة. ومن لم يرق له أخبار الجزيرة، فلديه بدائل كثيرة. والدول التي تخاف من قناة تلفزيونية، فهذه مصيبة في الحقيقة!
نحن نعيش في عالم تتطور فيها قنوات الاتصال والتعبير. ولا حاجة للحديث عما تروّجه بعض القنوات الأخرى بدول الحصار، والتي كان هدفها منذ نشأتها تدمير العلاقات الخليجية والقيم العربية الإسلامية.

وكيف تفهم تصريح وزير إسرائيلي حينما يقول إن مطلب إغلاق الجزيرة يأتي تجاوبا مع مطالب دول الحصار؟
إنها مأساة حقيقة.وهذا دليل آخر على أن دول الحصار تتخبط في مواقفها فعلا، حينما تتفق مع عدونا المشترك. ومجرد الصمت يعكس توافق تلك الدول مع تصريحات المسؤولين الإسرائيليين.

بشكل عام هل العالم يتفهم ضرورة الحوار ام ان احداث العنف حولنا تجاوزت ذلك ؟!
في الحقيقة الحوار صار يشكل ضرورة من ضروريات العصر؛ إذ أنه الوسيلة الأمثل، بل الوحيدة للتغلب على كافة المشكلات الناتجة عن الاختلاف الذي حوله البعض من اختلافٍ إلى خلاف، بل تحول في كثير من الأحيان إلى صراع وتصادم. وإن كنا نرى اليوم أن الحوار الثقافي والاقتصادي والسياسي قد صار ضرورة حضارية ملحة لا غنى عنها لتطور الحياة ونهضتها؛ فلا شك أن الحوار الديني لهو ضرورة أكثر إلحاحا لمواجهة التطرف والغلو، ورفض الصراع والتصادم وكل من يدعو إليه، وخلق روح السلام بين كافة البشر على اختلاف أجناسهم ودياناتهم، والاتفاق على قيم إنسانية مشتركة تهدف للتعايش والتسامح والتعاون والسلام، وقبول الآخر والاعتراف بحقوقه وحريته الدينية والمدنية.
كما أنَّ الحياة الإنسانية مليئة بالقضايا الاجتماعية (الأسرية والشبابية والدراسية والعملية، وغيرهم الكثير من القضايا التي إن تُركت بغير بحث واجتهاد لحلِّها على هدى وبصيرة؛ لاضطربت مكونات المجتمع، واختلت علاقاته، واهتزت قواه، وفقد الاستقرار وصار مجتمعًا فاشلا.
والسبيل الأول للتعامل مع قضايانا الاجتماعية يكمن في الحوار المبني على الحب والاحترام والتسامح والتعاون المثمر والعمل المشترك بين أبناء المجتمع.

مر على تأسيس المركز ١٠ أعوام .. ماهي أبرز الإنجازات التي تحققت ؟!
على مدار عشرة أعوام بالتأكيد سأجد صعوبة في تفصيل ما قام به مركز الدوحة الدولي لحوار الأديان، لكن يمكن أن نجمل ذلك في الآتي: أولا- الموتمرات السنوية: وهي ملتقى فكري وتشاوري بين المفكرين وممثلي الأديان الرئيسية (الإسلام والمسيحية واليهودية) حول العالم. وقد عُقد أول مؤتمر لحوار الأديان بالدوحة في عام 2003م، وتلاه المؤتمر الثاني عام 2004م، ثم أوصى المؤتمر الثالث في عام 2005 بإنشاء مركزا للحوار بين الأديان، وكانت تلك الانطلاقة، ثم توالت المؤتمرات إلى أن تم افتتاح مركز الدوحة الدولي لحوار الأديان في مايو 2007م . وصار المؤتمر يعقد سنويًّا وكان آخر هذه المؤتمرات المؤتمر الثاني عشر في فبراير عام 2016م.
ومن خلال هذه المؤتمرات يسعى المركز لتقريب وجهات النظر، بين الأطراف المختلفة، للوصول إلى أرضية مشتركة من الرؤى، على أساس من القيم الدينية، بهدف الخروج ببعض الحلول، على صيغة توصيات، تسهم في ايجاد بعض الحلول للمشاكل التي تلم بالعالم من حولنا.
ومن الإنجازات إطلاق جائزة الدوحة العالمية لحوار الأديان في 2013م، والتي نعتبرها المبادرة الفريدة من نوعها في هذا المجال، على مستوى العالم العربي- على الأقل حسب تقديرنا- وكان الهدف من هذه الجائزة دعم وتشجيع جهود ومبادرات الأشخاص والمؤسسات التي كان لها أثر بارز والمستدام في تعزيز الحوار وترسيخ ثقافة السلام، أما موضوع الجائزة فهو دائما ما يكون متطابقا لعنوان المؤتمر السنوي، كما يكرم الفائزين بالجائزة خلال حفل افتتاح المؤتمر.
وفي المجال الأكاديمي قام المركز بدعم البحث العلمي من خلال إصدار الكتب والأبحاث والدراسات المتخصصة في الأبحاث العلمية حول الأديان، ونظرتها تجاه الآخر، وتجاه الكون والحياة، لفهم أفضل للقيم الدينية المختلفة، وتسخيرها لخدمة البشرية.
كما يصدر عن مركز الدوحة الدولي لحوار الأديان مجلة علمية محكمة نصف سنوية باللغتين العربية والإنجليزية، وهي مجلة متخصصة في الدراسات الدينية، وتركز على الحوار بين الأديان، والعلاقات بين الإسلام والديانات الأخرى، وقد صدر منها تسعة إصدارات بالإضافة إلى الإصدار التمهيدي.
كما يصدر المركز نشرة دورية دائمة ينُشر فيها أعمال المركز وأنشطته وفعالياته وما يقوم به من دورات وما يصدره من كتب وأبحاث وغير ذلك، بالإضافة إلى تواجدنا في الإذاعة والتلفزيون وشبكات التواصل الاجتماعية.


هل من الممكن أن تحدثنا عن المشاريع المستقبلية لمركز الدوحة الدولي لحوار الأديان، ومتى موعد المؤتمر الدولي القادم لحوار الأديان وموضوعه ؟
يجهز المركز في الفترة المقبلة لعدة أنشطة وفعاليات أهمها:الإعداد للمؤتمر الدولي الثالث عشر لحوار الأديان وعنوانه: (حقوق الإنسان في الأديان)، والذي سيعقد في يومي (20-21 فبراير 2018م).
وكذلك نعمل حاليا على إقامة ندوة تتعلق بالظروف الإقليمية التي يمر بها الخليج وتحديدا أزمة الحصار، وسوف يتم تناول هذه القضية من الجانب التخصصي لمركز الدوحة الدولي لحوار الأديان ولذلك عنوانها: (دور الحوار في مواجهة الأزمات- أزمة الحصار نموذجا) وستكون في 19 سبتمبر 2018م.
كما نستعد لاستقبال العام الدراسي القادم بإقامة الدورة التدريبية الثالثة لطالب المدارس وذلك لتعزيز قيمة الحوار لدى الأجيال الجديدة، وتنمية أدواته.